تأمّل في جرح الضرورة // محمد الصمادي

يوليو 08, 2026

 

منارة حوارة الثقافية - محمد الصمادي

ربما نكونُ قد أخطأنا في تسمية الأشياء منذ البداية. نسمّي الألمَ علامةً على العمق، وكأنَّ العمقَ لا يُقاسُ إلا بمقدارِ ما يقطعُنا من الداخل، وكأنَّ الوجودَ الصافي لا بدَّ أن يمرَّ بمرحلةِ التكسيرِ ليصبحَ حقيقياً. وهذا هروبٌ خفيٌّ، يا صديقي، من بساطةِ أن نكونَ هنا، بلا حججٍ درامية، بلا جراحٍ تبررُ بقاءَنا.
لعلَّنا نُعذِّبُ أنفسَنا لأنَّ السعادةَ تُخيفُنا بثقلِها الخفيف، لأنَّها لا تقدّمُ لنا روايةً نرويها، ولا هوةً نسقطُ فيها لنشعرَ بأنَّ لنا عمقاً. نحنُ نُفضِّلُ الألمَ لأنه يمنحُنا هويةً درامية، لأنه يجعَلُنا أبطالَ قصتِنا الخاصة، بينما الفرحُ العاديُّ يجعلُنا مجرَّدَ ناسٍ عاديين في شارعٍ عادي، وهذا لا يليقُ بأحدٍ يُريدُ أن يكونَ استثناءً.
لكنَّ الحقيقةَ الأقسى: أنَّنا لسنا عميقينَ لأنَّنا نتألّم، بل لأنَّنا نُصرُّ على تبريرِ ألمِنا بمعانٍ سامية، بينما هو في الأغلب مجرَّدُ خطأٍ في اختيارِ المسكِّنات. خطأٌ في اختيارِ الأشخاصِ الذين نُحبُّهم، والأماكنِ التي نَسكُنُها، والأفكارِ التي نُؤويها في رؤوسِنا كطيورٍ جريحةٍ ترفضُ الرحيل.
ربَّما العمقُ الحقيقيُّ لا يكونُ في قعرِ الجرح، بل في قدرةِ الروحِ على النهوضِ دونَ أنْ تَصنعَ من نُهوضِها أسطورةً جديدة. ربَّما العمقُ هو أنْ نعرفَ متى نضعُ البلسمَ، ومتى نتركُ الجرحَ يندملُ بصمتٍ، دونَ أنْ نُحوِّلَهُ إلى نصبٍ تذكاريٍّ لمعاناتِنا.
نحنُ نُعاني لأنَّنا نُريدُ أنْ نكونَ مهمين. لكنَّ أهميَّتنا الحقيقيةَ تكمنُ في قدرتِنا على أنْ نكونَ عاديينَ بكلِّ هذا الثقلِ الوجودي، أنْ نكونَ بشراً يخطئونَ في اختيارِ المسكِّناتِ ثمَّ يصحِّحونَ، دونَ أنْ يُعلنوا ذلك في مؤتمرٍ صحفيٍّ عن معنى الحياة.