سيرةُ غريبٍ يسكنه آخر // محمد الصمادي

يوليو 09, 2026

 

منارة حوارة الثقافية - محمد الصمادي


اكتشفتُ، متأخرًا بما يكفي لأن أخسر يقيني، أنني لا أعرف كيف أتعامل مع نفسي... فكيف سأتعامل مع الآخر؟


منذ تلك اللحظة، بدأتُ أشك في أنني الشخص الذي كنتُ أقدّمه للناس. ربما كنتُ مجرد ترجمةٍ رديئةٍ لكائنٍ لا يتكلم لغتي، أو ظلٍّ خرج من المرآة وترك لي مهمة التحديق في الفراغ.


كل صباح أرتب ملامحي كما تُرتب المدن أنقاضها بعد حربٍ لا تعترف بها الخرائط، ثم أخرج لأصافح العالم بوجهٍ استعرتُه من الأمس، بينما وجهي الحقيقي يجلس في زاوية الغرفة، يراقبني بصمت، كأنه شاهدُ إثباتٍ في محاكمةٍ لا قاضِيَ فيها إلا الذاكرة.


كلما اقتربتُ من نفسي ابتعدتُ عنها أكثر، حتى خُيّل إليّ أن المسافة بيني وبيني أطول من المسافة بين الأرض وأول فكرةٍ أخطأت طريقها إلى رأس الإنسان.


يقولون: اعرف نفسك.


وأنا كلما حاولت، وجدتها تغيّر اسمها، وتستبدل ملامحها، وتترك لي بطاقة تعريفٍ منتهية الصلاحية. كأن الهوية مزحةٌ سوداء كتبها الوجود على عجل، ثم نسي أن يشرحها لأحد.


أما الآخر...


فلم يعد شخصًا، بل مرآةً مكسورة؛ كل قطعةٍ منها تعكس احتمالًا مختلفًا لي. لهذا كنت أخشاه، لا لأنه غريب، بل لأنه يعرف عني ما لم أجرؤ على الاعتراف به لنفسي.


ثم جاءت الكتابة...


لا لتُنقذني، بل لتورطني أكثر. كل جملةٍ أكتبها تفتح بابًا في جدارٍ كنت أظنه نهاية. وكل كلمةٍ تنقذ معنى، تغرق عشرات المعاني الأخرى. حتى صرت أشك أن اللغة نفسها كائنٌ ساخر، يضحك كلما صدقناه، ويختبئ كلما ظننا أننا أمسكنا بالحقيقة.


لهذا لم أعد أبحث عن أجوبة. الأجوبة أثاثٌ ثقيلٌ في بيتٍ يحترق.


أكتفي بأن أجلس مع أسئلتي، نتبادل الصمت، ويحدق أحدنا في الآخر، كأننا غريبان التقيا مصادفةً في جنازة الزمن.


ربما لم أكن عاجزًا عن التعامل مع الآخرين، بل كنت عاجزًا عن مصافحة ذلك الغريب الذي يحمل اسمي، ويوقّع عني رسائل الحياة، ثم يختفي كلما ناديتُه.


ومن يدري...


لعل الإنسان ليس إلا سوء فهمٍ طويل بينه وبين نفسه، ولعل العمر كله ليس أكثر من محاولةٍ فاشلةٍ للتعارف مع كائنٍ يسكن أعماقنا، ويرفض، بتهذيبٍ قاسٍ، أن يفتح الباب.