الوصية الأخيرة يتركها محمد الصمادي للقارئ // محمد الصمادي

يوليو 12, 2026

محمد الصمادي

إذا وصلتَ إلى هذه الصفحة، فلا تُغلق الكتاب بسرعة.

اتركه مفتوحًا قليلًا.

فالكتب، مثل البشر، تحتاج إلى لحظة صمت بعد الكلام.

ولا تظن أن ما قرأته كان حياتي وحدي.

لقد كنتُ مجرد ذريعةٍ كي تلتقي بحياتك.

كل طفلٍ احترق حلمه، كان هنا.

كل أمٍّ خبأت دموعها داخل فنجان قهوة، كانت هنا.

كل أبٍ عاد من عمله متعبًا، لكنه أخفى انكساره خلف ابتسامة، كان هنا.

كل مصورٍ حاول أن ينقذ لحظةً من الموت، كان هنا.

وكل كاتبٍ خاف أن تموت كلماته قبل أن تجد قارئها، كان هنا.

---

لا تبحثوا عني في الصور.

فالصور تكبر وتشيخ مثلنا.

ابحثوا عني في الرائحة.

رائحة البن حين يلامس النار.

رائحة المطر فوق تراب عجلون.

رائحة الكتب القديمة حين تفتحونها بعد سنوات.

هناك سأكون.

---

إذا مررتم يومًا بجبلٍ يشبه جبال عجلون، فقفوا قليلًا.

ليس لأن الجبال تحتاج إلى من يراها.

بل لأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى جبلٍ يسمع صمته.

فالصمت الذي لا يجد جبلًا...

قد يتحول إلى حجرٍ في القلب.

---

إذا حملتم كاميرا، فلا تُكثروا من مطاردة المشاهد المدهشة.

ابحثوا عن يدٍ ترتجف وهي تساعد عجوزًا.

عن طفلٍ يضحك رغم فقره.

عن امرأةٍ ترتب بيتها كأنها ترتب العالم.

عن وجهٍ يحمل تعب السنين، لكنه ما زال يعرف كيف يبتسم.

هناك تبدأ الصورة الحقيقية.

---

لا تخافوا من الندوب.

الجلد الذي لم يعرف جرحًا...

لم يعرف أيضًا كيف يحمي صاحبه.

والروح التي لم تمشِ في العتمة...

لن تعرف قيمة الضوء.

---

وإذا شربتم القهوة، فلا تستعجلوا آخر رشفة.

اتركوا شيئًا منها في الفنجان.

ليس للقهوة.

بل للذكرى.

فالذكرى أيضًا تشرب.

---

سامحوا الذين أخطؤوا في حقكم، إن استطعتم.

ليس لأنهم كانوا على صواب.

بل لأن الغضب الطويل يحرق صاحبه أكثر مما يحرق خصمه.

وأنا تعبت من الحرائق.

لهذا اخترت أن أزرع مكان كل جمرة شجرة.

ومكان كل خيبة كلمة.

ومكان كل غياب صورة.

---

لا تتنافسوا على الشهرة.

الشهرة ظلٌّ سريع الزوال.

لكن أثر الإنسان في قلب إنسان آخر...

ذلك هو المجد الذي لا تصنعه الجوائز.

---

واكتبوا...

حتى لو لم يقرأ لكم أحد.

فبعض الكلمات لا تُكتب للناس.

تُكتب كي لا نموت من الصمت.

---

وصوّروا...

حتى لو لم تُعلَّق صوركم في المعارض.

فقد تكون صورةٌ واحدة سببًا في أن يتذكر حفيدٌ ملامح جدته بعد خمسين عامًا.

---

وأحبّوا...

لا لأن العالم يستحق الحب دائمًا.

بل لأن قلوبكم تستحق ألا تتحول إلى صحراء.

---

أما أنا...

فإذا سألتم أين ذهبت بعد انتهاء الكتاب،

فلا تبحثوا عن قبر.

ولا عن تمثال.

ولا عن شارع يحمل اسمي.

ابحثوا عن رجلٍ يجلس في مقهى قديم، يقلب فنجان قهوته ببطء، ثم يرفع كاميرته نحو الغروب، ويبتسم دون سبب.

اقتربوا منه.

قد لا أكون أنا.

لكنكم ستجدون شيئًا مني.

فالإنسان لا يبقى في المكان الذي دُفن فيه.

يبقى في الأثر الذي تركه.

---

وأخيرًا...

إذا نسي العالم اسمي يومًا، فلا أحزن.

يكفيني أن تبقى فكرة واحدة حيّة:

أن الإنسان يستطيع أن يحوّل أكثر لحظات حياته احتراقًا...

إلى أكثرها نورًا.

هذه ليست وصيتي وحدي.

إنها وصية كل من عرف أن الألم ليس نهاية الطريق...

بل أول الطريق إلى الحكمة.

سلامٌ على الجمر حين يصير ضوءًا.

وسلامٌ على القهوة حين تصبح ذاكرة.

وسلامٌ على الإنسان...

حين يتعلم أن يرى بقلبه، قبل عينيه.