قراءة في كتاب خيانة المثقفين // خالد الشطناوي

يوليو 09, 2026

 

منارة حوارة الثقافية - خالد الشطناوي


ليست خيانةُ المثقّف حدثًا عابرًا في سيرة مجتمع، ولا زلّةً لغوية في خطابٍ عام، ولا انحرافًا طفيفًا يمكن تجاوزه بتبريرٍ أخلاقيّ سريع؛ إنها لحظة سقوطٍ كاملة، يسقط فيها العقل من مقام الشهادة إلى وظيفة التبرير، ويسقط فيها الوعي من مسؤوليته التاريخية إلى خدمة القوّة، ويسقط فيها صاحب الكلمة من مرتبة السؤال إلى مرتبة الصدى. عند تلك النقطة، لا يخون المثقّف فكرةً واحدة أو موقفًا واحدًا فحسب؛ إنّه يخون المعنى الذي وُجد من أجله أصلًا: أن يكون عينًا يقظة في وجه العمى، وصوتًا حرًّا في وجه الضجيج، وضميرًا حيًّا حين تنام الضمائر أو تُباع أو تُؤجَّر.

المثقّف، في جوهر صورته النبيلة، ليس حافظًا للنصوص، ولا جامعًا للمصطلحات، ولا صاحبَ مكتبةٍ عامرةٍ بالأسماء الثقيلة، ولا متحدثًا بارعًا يجيد ترتيب العبارات على منصّات الندوات. المثقّف هو ذاك الذي يعرف أن المعرفة مسؤولية، وأن الفكرة امتحان، وأن امتلاك اللغة لا يساوي شيئًا إذا كانت اللغة عاجزة عن الدفاع عن الإنسان حين يُهان، وعن الحقيقة حين تُحرَّف، وعن العدالة حين تُسحق تحت أقدام المصالح. من هنا تبدأ المأساة: حين ينفصل المثقّف عن مسؤوليته الأخلاقية، ويظنّ أن الثقافة زينةٌ ذهنية، أو رأسمالٌ رمزيّ يمنحه مكانةً اجتماعية، أو سلّمًا يصعد به نحو الجوائز والصفقات والظهور.

خيانة المثقفين تبدأ غالبًا من لحظةٍ صغيرة لا تبدو خطيرة في ظاهرها: لحظة الصمت. الصمت أمام الظلم، الصمت أمام التزييف، الصمت أمام تحويل الإنسان إلى رقم، والكارثة إلى خبر، والدم إلى تفصيلٍ جانبيّ في نشرةٍ مزدحمة. يصمت المثقّف مرةً بحجّة الحكمة، ومرةً بحجّة التعقيد، ومرةً بحجّة أن الصورة لم تكتمل بعد، ثم يعتاد الصمت حتى يتحوّل إلى أسلوب حياة، وإلى شكلٍ من أشكال التكيّف المريح مع الخراب. وما إن يطول هذا الصمت حتى يفقد المثقّف حساسيته تجاه القبح، فيرى المأساة ولا يرتجف، ويسمع الأكاذيب ولا يضطرب، ويعاين انهيار المعنى ولا يشعر أن دوره قد بدأ الآن، لا غدًا.

ثم تأتي المرحلة الأشدّ ظلمة: أن ينتقل المثقّف من الصمت إلى التبرير. هنا لا يعود متخلّيًا عن مسؤوليته فقط، وإنما يتحوّل إلى جزء من الآلة التي تُنتج الزيف وتعيد تدويره في لغةٍ أنيقة. يكتب المقالة ليُجمّل القبح، ويمنح الاستبداد قاموسًا ناعمًا، ويكسو الهزيمة بثياب الواقعية، ويعيد تعريف الخنوع بوصفه حكمة، والانتهازية بوصفها مرونة، والارتماء في حضن القوّة بوصفه قراءةً موضوعية لموازين العالم. في هذه اللحظة، تصبح الثقافة قناعًا لا نورًا، وتتحوّل البلاغة إلى أداة تزوير، ويصير القلم شريكًا في الجريمة وإن لم يلطّخه الدم مباشرة.

وأشدّ ما في خيانة المثقّف إيلامًا أنّها لا تصدر عن الجهل، وإنما عن المعرفة. الجاهل قد يضلّ لأنه لا يرى، أمّا المثقّف الخائن فيرى ثم يختار العمى، ويفهم ثم يختار التحايل على فهمه، ويعرف مواقع الخلل في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم يقرّر أن يستخدم هذه المعرفة لحماية الخراب بدل فضحه. إنّ خيانة الجاهل محدودة الأثر، أمّا خيانة المثقّف فمضاعفة، لأنّها تمنح الباطل شرعيةً لغوية، وتمنح القمع سرديّةً تُدافع عنه، وتمنح الجمهور الوهمَ بأنّ ما يجري قابلٌ للتفسير، وربما قابلٌ للتصديق أيضًا.

حين يخون المثقّف، لا يفسد رأيه الشخصي فقط؛ يفسد المجال العام. يربك البوصلة، ويشوّش الوعي، ويصنع ضبابًا كثيفًا بين الناس والحقيقة. الناس، في لحظات الأزمات الكبرى، لا يحتاجون إلى من يزيد العتمة عتمة، وإنما إلى من يسمّي الأشياء بأسمائها مهما كانت الكلفة. يحتاجون إلى من يقول إنّ القمع قمع، وإنّ الاحتلال احتلال، وإنّ الفساد فساد، وإنّ الكرامة ليست ترفًا لغويًا. غير أنّ المثقّف الخائن يفعل العكس تمامًا: يبدّل أسماء الأشياء حتى تتبدّل حقيقتها في الأذهان. يخفّف قسوة الجريمة بتعابير تقنية، ويختبئ خلف التعقيد النظريّ كي لا يقول موقفًا واضحًا، ويغرق المأساة في متاهة من المصطلحات حتى تبدو الضحية مسؤولة عن نزيفها، أو يبدو الجلاد مجرّد طرفٍ في سوء تفاهم تاريخي.

ولأنّ الخيانة لا تكون دائمًا صاخبة، فإنّ أخطر أشكالها تلك التي تأتي متأنقة، مهذّبة، عالية الصياغة. قد يكتب المثقّف نصًّا بديعًا في الحرية وهو يصافح السجّان، وقد يُلقي محاضرةً مبهرة عن الإنسان وهو يتغافل عن الإنسان المهان خارج القاعة، وقد يملأ الدنيا حديثًا عن العدالة وهو يختار، في كلّ منعطف حاسم، الموقع الأكثر أمنًا والأكثر ربحًا والأقلّ صدقًا. هنا تصبح المفارقة جارحة: اللغة التي كان يُفترض أن تكون أداة كشف، تتحوّل إلى ستارة؛ والفكر الذي كان يُفترض أن يكون مقاومة، يتحوّل إلى ديكور؛ والمثقف الذي كان يُفترض أن يزعج السلطة، يصبح جزءًا من أثاثها الرمزي.

إنّ خيانة المثقفين لا تقتصر على السياسة وحدها، وإن كانت السياسة مسرحها الأكثر فجاجة. هناك خيانة في الحقل الثقافي نفسه، حين يتحوّل المثقّف إلى حارس شلليّ لمجموعةٍ أو تيارٍ أو دائرة مصالح، فيمنح القيمة لمن يشبهه، ويحجبها عمّن يخالفه، ويعيد إنتاج الرداءة تحت اسم العلاقات، ويصنع من الثقافة شبكة ولاءات لا فضاءً حرًّا للتفكير والإبداع. هناك خيانة حين تُقصى الأصوات الجديدة لأنها لا تنتمي، وحين يُرفَع الضعيف فنيًا لأنه قريب، ويُهمَّش الجيد لأنه حرّ. وهناك خيانة حين تُستبدل المعايير بمعادلات النفوذ، وحين يتحوّل المشهد الثقافي إلى مرآةٍ صغيرة لأمراض المجتمع الكبيرة: المحاباة، والشللية، والخوف من المختلف، والرهان على الاسم لا على القيمة.

وفي زمن الشاشات، ازدادت الخيانة تعقيدًا واتساعًا. صار المثقّف مهدّدًا بإغراءٍ جديد: أن يتحوّل من صاحب موقف إلى صانع محتوى، ومن حامل قضية إلى مدير حضور، ومن منشغل بالحقيقة إلى منشغل بالخوارزمية. لم يعد السؤال: ماذا تقول؟ وإنما: كم سيشاهده الناس؟ كم سيُعاد نشره؟ كم سيضيف إلى صورتك؟ هكذا يدخل المثقف في مساومةٍ ناعمة مع زمن الفرجة، فيخفّف من حدّة أفكاره كي لا يخسر الجمهور، ويقصّ أطراف الحقيقة كي تناسب المنصّة، ويُعيد تغليف القضايا المعقّدة في صيغٍ سهلة الهضم، ثم ينسى، مع الوقت، أنّ دوره ليس أن يكون مقبولًا دائمًا، وإنما أن يكون صادقًا ومزعجًا ومقلقًا حين تستدعي اللحظة ذلك.

وما يزيد المسألة مرارة أنّ بعض المثقفين لا يكتفون بخيانة دورهم، وإنما يهاجمون كلّ من يحاول أن يبقى وفيًّا له. يسخرون من صاحب الموقف ويصفونه بالسذاجة، ومن صاحب الضمير ويصفونه بالمثالية، ومن الرافض للمساومة ويصفونه بعدم النضج السياسي. إنهم يجرّمون الصدق لأنّ الصدق يفضحهم، ويشكّكون في الشجاعة لأنّ الشجاعة تذكّرهم بما فقدوه، ويحوّلون النزاهة إلى خطأ في التقدير حتى يخفّ عبء خيانتهم عن أنفسهم. وهذه إحدى آليات الانهيار الكبرى: أن يصبح الوفاء للقيمة موضع اتهام، وأن تصبح الخيانة نوعًا من الذكاء الاجتماعي، وأن يُنظر إلى الانحناء بوصفه خبرةً بالحياة لا تنازلًا عن الكرامة.

ومع ذلك، لا تكتمل الصورة إذا اكتفينا بإدانة المثقف الخائن من غير أن نسأل عن البيئة التي تُنتجه وتكافئه. فالسلطات، على اختلاف أشكالها، تحبّ المثقف المطيع، وتفتح له المنابر، وتُكثِر من استضافته، وتمنحه من الرمزية ما يكفي ليبدو مهمًّا، لأنّها تعرف أنّ الكلمة المروّضة أكثر فاعلية أحيانًا من العصا. والمؤسسات الثقافية الكسولة تميل بدورها إلى المثقف السهل، الذي لا يربكها ولا يطالبها بشيء ولا يفضح هشاشتها. والجمهور نفسه قد يشارك، من حيث يدري أو لا يدري، في هذه الصناعة حين يكافئ الأداء ويهمل الموقف، ويصفّق للبلاغة وينسى أن يسأل: في خدمة من تُقال هذه البلاغة؟ وأيّ حقيقة تُخفى خلف هذا اللمعان؟

إنّ مقاومة خيانة المثقفين لا تبدأ بشعارٍ أخلاقيّ مجرّد، وإنما بإعادة تعريف المثقف نفسه. المثقف ليس موظفًا عند السلطة، ولا نجمًا في سوق الانتباه، ولا وسيطًا بين القبح ولغته الناعمة. المثقف، في معناها الأعمق، هو من يدفع ثمن حريته الفكرية، ويحرس المسافة بينه وبين الإغراء، ويعرف أنّ الكلمة موقف قبل أن تكون مهارة، وأنّ المعرفة إذا لم تُدافع عن الإنسان تتحوّل إلى نوعٍ من الترف الفارغ، أو إلى سلاحٍ بارد في يد القوّة. المثقف الحقيقي لا يملك رفاهية الحياد حين تكون الحقيقة واضحةً إلى هذا الحد، ولا يملك حقّ التخفّف من مسؤوليته كلّما ارتفعت كلفة الصدق.

لهذا، فإنّ السؤال عن خيانة المثقفين ليس سؤالًا عن أفرادٍ فقط، وإنما عن مصير مجتمع بأكمله: ماذا يحدث حين ينهار حارس المعنى؟ ماذا يحدث حين تُباع اللغة لمن يملك المال أو المنصّة أو القوّة؟ ماذا يحدث حين يفقد الناس ثقتهم بمن كان يفترض أن يضيء لهم الطريق؟ عندها لا نخسر مقالًا أو كتابًا أو موقفًا عابرًا، وإنما نخسر جزءًا من القدرة على التمييز بين الحقّ والزيف، بين الفكر والدعاية، بين الشجاعة والاستعراض. نخسر المرجع الأخلاقيّ الذي يُفترض أن يذكّرنا، في أزمنة الانهيار، أنّ الإنسان ليس رقمًا، وأنّ الحقيقة لا تُقاس بعدد المصفّقين لها، وأنّ الثقافة، إذا تخلّت عن شرفها، تتحوّل إلى شريكٍ كامل في خراب العالم.

خيانة المثقفين، في النهاية، ليست سقوط أفرادٍ فقط؛ إنّها سقوط الفكرة التي تجعل من الثقافة فعل مقاومة، ومن الكتابة شهادة، ومن الكلمة عهدًا مع الحرية. وحين يخون المثقّف هذا العهد، لا يعود ضرره محصورًا في صفحاته أو تصريحاته، وإنما يمتدّ إلى الوعي العام، إلى الذائقة، إلى الشجاعة، إلى اللغة نفسها. عندها يصبح واجبًا أن يُقال، بوضوحٍ لا مواربة فيه: إنّ المثقف الذي يبيع الحقيقة مقابل القرب من السلطة، أو الرضا الاجتماعي، أو المكسب الشخصي، لا يخون الآخرين وحدهم؛ إنّه يخون نفسه أولًا، ويخون الاسم الذي يحمله، ويخون المعنى الذي كان يمكن أن ينجو به من التفاهة لو اختار أن يبقى وفيًّا للكلمة.