في دهاليز الزمن المختبرية، حيث تُوزَّع الأنفاس على أنابيب زجاجية باردة، كان ثمَّة رجلٌ لا اسم له، أو له كل الأسماء، يُسلِّم جسده كل ثلاثة أقمار لأطباء الوهم. يُدعى الطبيب "حكمت"، لكن حكمته كانت في كيفيّة تحويل النبض إلى أرقام، والدم إلى فواتير. وفي كل زيارة، كان يهمس له كما يهمس الكهنة للمذبح: "كتبتُ لك دواءً جديداً، يا من تمشي على حبل الموت الموعود". ولم يسأل حكمت قطّ عن لون عينيه، ولا عن حلمه الأخير، بل كان يخطّ الواوات والسينوات كتعاويذَ على وصفاتٍ بيضاء، كأنّ الجسد مجرّد معادلةٍ تحتاج إلى تصحيحٍ دوريّ.
أمّا المختبر، فكان معبداً للعزلة، تُدارُ أبوابه الزجاجيّة على مصراعيها نحو فراغٍ لامتناهٍ. هناك، على كرسيٍّ كرسيّ الاعتراف، جلست "سوسن" – وهي في التاسعة والعشرين من عمرٍ لم يُكتَب له الزواج – تمسك بإبرةٍ كأنّها رمحٌ مصغّر، تسحب الدمَّ بعنفِ عاشقةٍ تبحث عن دليل حياة في سوائل الآخرين. كانت عيناها تبحثان عن عريسٍ لا أمراضَ فيه، وها هو ذاك الرجل الجالس أمامها، نبضُه يخونُ شرايينه، فربّما كان هو ذاك المطلوب، لو لم تكن الحاجة إلى دمه أكثرَ من حاجتها إلى حبه. اتفقا على فنجان قهوةٍ بلا موعد، لكنّ الزمنَ في المختبرات لا يُقاس بالدقائق، بل بأنصافِ الحياة المُهدَرة.
ثمّ قالت سوسن، بصوتٍ كصدى جدارٍ مسكون: "سنُرسلُ النتائجَ إلى الطبيب، وأنت عُدْ إلى حكمتكَ الموعودة". وعاد الرجل، كلّ ثلاثة أشهر، إلى عيادةِ حكمت، حيث كان يسمع الجملةَ ذاتها، وكأنّ الزمنَ دارةٌ مغلقةٌ لا تخرجُ إلا إلى دواءٍ جديدٍ، وزيارةٍ جديدةٍ، ومضاعفاتٍ تتراكم كالرمل في ساعةٍ مقلوبةٍ. أربعون عاماً مرّت، وهو يشهدُ ارتفاعَ أجورِ الطبِّ كما تشهدُ الأشجارُ ارتفاعَ السماء، بينما هو يهبطُ في صحّته كمن ينزلُ درجاً لا نهاية له.
وفي كلِّ مرّةٍ، كان ثمّةُ اتّفاقٌ صامتٌ، تكادُ تخلعهُ الرائحةُ الكحوليّةُ في المختبر، وتُوقّعهُ الصيدلانيّةُ "صباح" بقبضتها الناعمة على علبِ الأدوية، وتُثبّتهُ فنيّةُ الأشعّةِ "رنا" بأشعّتها التي ترى ما لا تراه العيون، وتُحرّقهُ ثمّ تنساه. كأنّهم حلقةٌ سحريّةٌ: الطبيبُ يكتب، والمختبرُ يسحب، والصيدلانيّةُ تبيع، والأشعّةُ تصوّرُ هشاشةَ العظام، والكلّ يغنّي لحنَ العقدِ غيرِ المعلَن، حيث الموتُ ليس عدوّاً، بل شريكاً في الغياب، يُؤجَّلُ قليلاً كي يُباعَ أغلى.
أمّا الرجل، فصار جسده أرضاً تتقاسمها الطواطمُ الطبّيّة: كلّ ثلاثة أشهرٍ يُعادُ اجتياحهُ، وتُبدَّلُ خرائطُه الداخليّة، وتُكتبُ على جدرانه الداخليّةِ عباراتٌ جديدةٌ من تشخيصاتٍ لا تنتهي. صار يعيشُ في فجوةٍ بين نبضٍ وآخر، بين سحبِ دمٍ وأشعّةٍ، بين موتٍ مفاجئٍ وموتٍ مؤجّلٍ بالقسط. وفي أحد الأيام، وقد كان جالساً في بهو المختبر، سمع صوتَ سوسن تهمسُ لزميلتها: "كلّما سحبتُ دمَه، شعرتُ أنّني أسحبُ سنواتِ عزوبتي"، فضحك في سرّه، لأنّه أدرك أنّ المعركةَ ليست بين الحياة والموت، بل بين من يملكُ الإبرةَ ومن يملكُ الوريدَ.
وهكذا، في هذه اللعبةِ اللامتناهيةِ، حيث الأسماءُ (حكمت، سوسن، رنا، صباح) ليست سوى أقنعةٍ لوجوهٍ متعدّدةٍ لحقيقةٍ واحدة: أنّ الجسدَ نصٌّ مفتوحٌ، يكتبه الجميع ولا يقرؤه أحد، وأنّ المختبرَ ليس مكاناً، بل حالةً وجوديّةً، حيث يُسحبُ الدمُ كالكلمات، وتُرسلُ النتائجُ كرسائلَ في قواريرَ، لا تصلُ إلا إلى من يدفعُ ثمنَ قراءتها. وفي النهاية، لا يعودُ الرجلُ إلى الطبيب، بل يعودُ السؤالُ نفسه: هل كان يبحثُ عن دواءٍ، أم عن حكايةٍ يموت فيها ببطءٍ كي يُروى؟ بينما خارجَ الزجاجِ، تمرُّ السنواتُ كسحبٍ لا تمطرُ، والموتُ المفاجئُ يضحكُ من بعيد، لأنّه يعلمُ أنّ المؤجَّلَ هو ألذُّ أنواعِ الغياب.
من يوميات محمد الصمادي