قرارات هامة // خالد الشطناوي

يوليو 11, 2026


خالد الشطناوي

لم يكن أصعب ما في الحياة أن تخطئ، وإنما أن تؤجل القرار حتى تصبح الأخطاء هي التي تتخذ قراراتها عنك.
كان سامر يؤمن أن الزمن كريم مع المترددين، حتى اكتشف متأخرًا أن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن الفرص لا تموت، وإنما تهاجر إلى من يملك الشجاعة لالتقاطها.
في صباح شتوي هادئ، وقف أمام نافذة مكتبه الصغير يتأمل المطر وهو يطرق الزجاج برفق. بدت المدينة وكأنها تغسل ذاكرتها، بينما كان هو عاجزًا عن غسل ذاكرة واحدة تسكن رأسه منذ سنوات.

قرار واحد...
قرار كان يجب أن يتخذه قبل عشرة أعوام.

رن هاتفه.
كان المتصل صديقه القديم ياسر، الذي لم يسمع صوته منذ زمن.

قال بصوت متردد:
"نحتاج أن نلتقي... الأمر لا يحتمل التأجيل."

لم يسأله لماذا.
اكتفى بالموافقة.

بعد ساعة كانا يجلسان في مقهى قديم اعتادا ارتياده أيام الجامعة.
بدا ياسر أكبر من عمره، وكأن السنوات مرت فوقه.
أخرج ظرفًا بنيًا ووضعه على الطاولة.

قال:
"هذا كان عند أبي... طلب مني ألا أسلمه لك إلا عندما أشعر أنك أصبحت قادرًا على اتخاذ القرارات."

ابتسم سامر ساخرًا.
"وهل أصبحت كذلك؟"

أجابه ياسر:
"لا أعلم... لكن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الانتظار."

فتح الظرف.
وجد داخله رسالة قديمة.
خط يد يعرفه جيدًا.
كان خط أستاذه الجامعي، الرجل الذي كان يؤمن به أكثر مما كان هو يؤمن بنفسه.

قرأ السطر الأول فتغير لون وجهه.
"إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنك ما زلت تهرب من القرار الذي سيحدد حياتك."

ارتجفت يده.
أكمل القراءة.
"أعرفك جيدًا... ستبحث عن فرصة أفضل، ووقت أفضل، وظروف أفضل، ثم تكتشف أن العمر كله كان مجرد انتظار."
أغلق الرسالة.
ساد صمت ثقيل.

قال ياسر:
"أتعرف لماذا احتفظ بها أبي كل هذه السنوات؟"

هز رأسه نافيًا.
"لأنه كان يقول إن الإنسان لا يسمع الحقيقة إلا عندما تؤلمه."
خرج سامر من المقهى وهو يشعر أن المدينة أصبحت أضيق.
عاد إلى منزله.
فتح خزانة قديمة.
كانت مليئة بالملفات والمذكرات والمشاريع.
مشروع شركة لم يبدأ.
كتاب لم يكتمل.
رسالة اعتذار لم تُرسل.
طلب سفر لم يوقَّع.
فكرة ابتكار دفنها الخوف.
وعشرات الأحلام التي انتهت قبل أن تبدأ.
جلس على الأرض.
راح يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى.
اكتشف أن حياته لم يهزمها الفشل.
هزمها التأجيل.
في تلك الليلة لم ينم.
كان يسمع صوتًا داخله يكرر:
"اتخذ القرار."

مع طلوع الشمس، حمل هاتفه.
أجرى أول اتصال.
قدّم استقالته.
ثم أرسل طلب تأسيس شركته الذي كان مؤجلًا منذ سنوات.

اتصل بأمه.
اعتذر عن سنوات الانشغال.
أرسل رسالة إلى أخيه الذي خاصمه منذ خمس سنوات.
كتب أول صفحة من كتاب حلم به طويلًا.
كان يشعر أنه يولد من جديد.
مرت الأشهر.
لم يكن الطريق سهلًا.
تعرض لخسائر.
تعرض للسخرية.
تعرض للفشل أكثر من مرة.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
لم يعد يؤجل.
كل قرار كان يتخذه في موعده.
وكل خسارة كانت تعلمه أسرع من ألف نصيحة.
كبرت شركته شيئًا فشيئًا.
أصبح اسمه معروفًا.
صار الناس يصفونه بالرجل الحاسم.
وكان يبتسم كلما سمع هذه العبارة.
لأنه وحده يعرف كم سنة ضاعت قبل أن يتعلم معنى الحسم.
بعد أعوام، دعته إحدى الجامعات لإلقاء محاضرة عن النجاح.
وقف أمام مئات الطلبة.
انتظر الجميع أن يتحدث عن الإدارة، أو الاستثمار، أو القيادة.

لكنه رفع ورقة بيضاء وقال:
"هذه هي حياتكم اليوم."

ثم مزق نصفها.

قال:
"هذا الجزء ضاع بسبب التردد."

ومزق جزءًا آخر.
"وهذا ضاع بسبب الخوف."

ثم مزق جزءًا ثالثًا.
"وهذا ضاع لأنكم تنتظرون الوقت المناسب."

لم يبق في يده إلا قطعة صغيرة.
رفعها عاليًا.

"هذا هو العمر الذي ستملكونه عندما تدركون أن القرار أهم من الفكرة، وأن التنفيذ أهم من الحلم."

ساد الصمت.
لم يصفق أحد.
كانت الكلمات أثقل من التصفيق.
بعد انتهاء المحاضرة، اقترب منه شاب في العشرين من عمره.

قال:
"كنت على وشك تأجيل مشروع بدأت أخطط له منذ عامين."

ابتسم سامر.
"وماذا ستفعل الآن؟"

قال الشاب بثقة:
"سأبدأ اليوم."

وضع سامر يده على كتفه وقال:
"إياك أن تجعل الغد يعيش حياتك بدلًا منك."

خرج من الجامعة وهو يشعر أن الرسالة القديمة لم تكن موجهة إليه وحده.
كانت موجهة لكل إنسان يقف كل يوم أمام مفترق طريق، ويظن أن عدم الاختيار قرار آمن.

الحقيقة كانت مختلفة.
عدم اتخاذ القرار...
هو أخطر قرار يمكن أن يتخذه الإنسان.