يُتسع العالم بوصفه فضاءً مفتوحاً على احتمالات لا تُحصى، حيث كل شيء يُمكن أن يكون، وكل معنى يُمكن أن يُولَد. غير أن العقول، التي يُفترض بها أن تكون قنوات لهذا الاتساع، تُرى وكأنها مساحات محدودة، لا تتسع لأكثر من حضور واحد في آنٍ. كلما اتسعت دائرة الرؤية الأفقية، ضاقت مساحة الرؤية الذاتية، وكأن ثمّة علاقة عكسية بين امتداد العالم واتساع الأنا.
في لحظة تقدم المبدع ونضوجه، حيث يُفترض أن تتسع مداركه، يُلاحَظ ميل إلى التراجع عن الاعتراف بغيره، وكأن التقدم لا يعني انفتاحاً بقدر ما يعني تكثيفاً للذات. لا يُبحث في النص الآخر عن مواطن الجمال لتُضاف، بل تُفتّش في ثناياه عن الهفوات والثغرات، وكأن ثمّة حاجة وجودية لتفكيك ما يُبنى بجوار الذات، ليس لأن البناء الآخر مختل، بل لأنه قائم في الفضاء نفسه. هذه الظاهرة لا تُقرأ هنا كغيرة أو تنافس، بل تُفهم كرد فعل أنطولوجي: فالنص الآخر، حين يُدرَك متفوقاً، يتحول إلى حدٍّ يعكس حدود الذات وعجزها عن احتواء اللامتناهي، فيُصار إلى تفكيكه لا الاعتراف به.
يمتد هذا التأمل ليشمل كل من يقف خلف جنس أدبي معين؛ الروائي خلف روايته، والقاص خلف قصته، والشاعر خلف قصيدته. حين يُواجه كلٌّ منهم نصاً آخر في الحقل نفسه، قد يُغدو النظر إليه مشوّهاً، تبحث العين عن الضعف في بنائه، لا عن القوة. ليس لأن الآخر عدو، بل لأن وجوده يُذكّر بأن الحقل الأدبي ليس ملكاً لأحد، وأن التميز ليس حكراً على تجربة واحدة. الأنا، في هذه اللحظة، تُضخم ذاتها لا عن كبرياء، بل عن خوف أن تكون هوامشها هي المركز، وأن ما تظنه فريداً قد تكرر في مكان آخر.
كثيراً ما ظُنَّ، في تأمل ساذج، أن الإبداع هو ساحة تكامل حيث تتلاقح الأفكار وتتزاوج الأجناس، وأن النصوص تُقرأ كإضافات متعاضدة لا كمنافسات متزاحمة. ظُنَّ أن النص الأدبي فضاء مفتوح، أو كما يُسمَّى "نصاً محايثاً"، حيث كل كتابة هي امتداد لكتابة أخرى، وكل رؤية تعيد تشكيل الرؤية السابقة. هذا الظن جميل في نظريته، لكنه يُصطدم بحقيقة أن الذات، حين تكتب، لا تكتب لتملأ فراغاً، بل لتخلق عالماً خاصاً بها، وعندما يُخلق عالم آخر بجواره، يُدرك الأول أنه ليس وحيداً، وهذا الإدراك قد يُولّد توتراً، لكنه ليس بالضرورة عداوة؛ إنه مجرد اعتراف ضمني بأن الاتساع الحقيقي مؤلم.
إذا انتقلنا إلى تجربة أديب كمحمد الصمادي، الذي كُرِّسَ جهدُه لمعالجة تداخل الأجناس الأدبية، وسُعِيَ إلى ما يُمكن تسميته "النص الحدودي" أو "الجنس الجامع"، نجد أن هذه التجربة تُقرأ، من زوايا مختلفة، كتهديد للمألوف، لا كإثراء له. كتابته التي تمزج بين الذاتي والموضوعي، بين السردي والشعري، تُرى من قبل من ينتمون إلى أجناس محددة كخروج على القواعد، ليس لأنها معيبة، بل لأنها لا تنتمي. كل قارئ يُسقط عليها معيار جنسه الأدبي، فيراها ناقصة من زاويته، غير مدرك أنها تحاول أن تكون مكتملة من زاوية أخرى، وأنها تسعى إلى الاتساع لا إلى الإقصاء. هنا، لا يُتّهم أحد بالتعصب، بل تُفهم هذه القراءات على أنها نتاج طبيعي لمنظورات مختلفة، لا صراع بينها، بل تعدد في الرؤى.
إذن، لماذا يُلجأ إلى هذا التضييق عوضاً عن التكامل؟ لأن كل عقل، في عزلة معرفية، يعتاد على نماذجه الخاصة، فيجد في التداخل تهديداً لاستقرار تصنيفاته، لا لأنه شرير، بل لأنه بطبيعته يحافظ على ما ألِف. رفض النص المختلف لا يُقرأ هنا كعدوان، بل كحيرة معرفية: كيف يُمكن لنص أن يكون شعراً وقصة ومقالة في آنٍ؟ هذا السؤال نفسه، وإن قُوبل بالرفض، هو بداية لفهم أعمق، إذ يُظهر حدود التصنيفات الأدبية، ويعري هشاشتها.
لن نفتح هنا أبواب الإنسانية الموعظة، فلن نتحدث عن التسامح أو الرفق، فهذه مفاهيم خلُقية تُبتعد عن الجوهر الفلسفي. بل سنقف عند فكرة أن الكتابة، في جوهرها، هي محاولة لامتلاك العالم عبر اللغة، وكل مبدع يصوغ عالمه الخاص كما يراه. حين يتقاطع عالم مع آخر، لا يحدث احتكاك بالضرورة، بل يحدث احتكاك بين تصورين مختلفين للعالم. هذا الاحتكاك قد يُقرأ صراعاً، وقد يُقرأ تنوعاً؛ لكنه، في كل الأحوال، لا يُلغي حقيقة أن لكل نص وجوده المستقل، وأن لكل أفق امتداده الخاص.
وهكذا، يظل حلم التكامل الأدبي، كما تَصوَّر في نصوص الصمادي العابرة للأجناس، حلماً جميلاً، لكنه يُواجه صعوبة في التحقق على أرض الواقع المعرفي، ليس بسبب نوايا فاسدة، بل بسبب طبيعة العقل البشري الذي يبحث عن الثبات في زمن السيولة. محاولة الصمادي لجمع الشتات في بوتقة واحدة لم تُقابل بالقبول، لأنها تُذكّر بأن الإبداع، حين يبلغ مرحلة التداخل، يصبح صعب التصنيف، وصعب التقييم، وصعب الاحتواء. لكن، في فلسفة الكتابة العميقة، ربما يكون هذا الرفض نفسه هو ما يمنح النص حياته؛ فالإبداع لا ينمو في أحضان القبول الرتيب، بل في فضاءات السؤال والدهشة. العالم يتسع، والعقول تضيق بهذا الاتساع، لكن النصوص العابرة، كتلك التي يُسعَى إليها، تبقى شاهداً على أن الحقيقة الأدبية لا تظهر في الولاء لجنس واحد، بل في تلك اللحظة التي تُسقط فيها الحدود، ويُصبح النص كائناً بلا هوية ثابتة، ممتلئاً بالوجود رغم كل محاولات تضييقه.
