إعداد: د. فداء عدنان أبو فرده
تعد القصة القصيرة من الفنون النثرية الحديثة نسبيا، وتُعرّف عادة بأنها سرد نثري تخييلي يمتاز بالقصر قياسا إلى الرواية غير أن قصرها لا يمثل مجرد تحديد كمي لحجمها وإنما يفرض عليها منطقا فنيا خاصا يقوم على التكثيف والاختيار والحذف والإيحاء، وهي جنس أدبي يعتمد على تقنيات الضغط والحذف والغموض والتلميح أكثر من اعتماده على الشرح والتفصيل ولهذا الفن طرائق في بناء الحدث والشخصية والزمن والمكان والدلالة.
ويُعرف الإيراني القصة الفنية الحديثة:
"القصة التي لا تركز على الحادث وتجعل كل القيمة للتحليل والوصف"
(محمود سيف الدين الإيراني، الأعمال الأدبية الكاملة، ج 2، ص 83)
وهي في تعريفاتها المتعددة وعناصرها وتاريخها الأدبي تقوم على علاقة مركبة بين ثلاثة عناصر متداخلة الكاتب وهو الذي يتخيل ويشكل القصة، والنص الذي يحتضن التجربة في بيئة لغوية وفنية مكثفة والقارئ الذي يستقبل النص ويعيد بناء دلالاته وفق خبراته وثقافته وأفق توقعه.
وبهذا فإن القصة القصيرة فعل تواصل يبدأ من لحظة التخيل والكتابة ولا يبلغ تمامه إلا في لحظة القراءة والتأويل.
وباعتبار الخيال نقطة انطلاق الكتابة فإن القصة القصيرة تبدأ غالبا من صورة أو موقف أو ذكرى أو سؤال يثير مخيلة الكاتب، وقد يكون المنطلق حادثة واقعية عابرة أو شخصية أو شعورا بالوحدة أو الخوف أو الفقد، وهي تخضع لإعادة بناء تجعل منها واقعا فنيا جديدا.
وكأن الخيال القصصي لا يعني الانفصال الكامل عن الواقع وإنما يعني القدرة على إعادة ترتيب عناصره واكتشاف العلاقات المستترة بينها.
ومن أهم النقاط المرتبطة ببناء القصة القصيرة خاصة في التنظير الغربي للقصة مفهوم وحدة الأثر الذي قعد له وبلوره "إدغار آلان بو" فهو يرى أن قصر العمل يسمح بقراءته في جلسة واحدة وأن على الكاتب أن يخطط لعناصره وتسهم جميعها في إنتاج أثر شعوري أو جمالي متماسك لدى القارئ وهي من المبادئ المؤسسة للنظرية الكلاسيكية في القصة القصيرة.
الأمر الذي يجعل من المهم أن لا تكون بداية القصة منفصلة عن نهايتها "المسمى بخيط السرد" وأن لا يكون الوصف عنصرا للزينة محايدا، فاختيار الضمير السردي والإيقاع والمكان واللون والصوت وطبيعة الجمل وهي كلها تشترك في صنع التجربة القصصية النهائية.
ولا تعني وحدة الأثر أن القصة يجب أن تنتج معنى واحدا لا يختلف عليه القراء فقد يخطط الكاتب لإحداث شعور بالخوف بينما يقرأ القارئ النص بوصفه نقدا اجتماعيا أو تعبيرا عن أزمة وجودية وبهذا تنكشف المسافة بين الأثر المقصود الذي يتخيله الكاتب والأثر المتحقق الذي تصنعه القراءة.
ويمكن اعتبار النص في القصة لا يكتمل عند نقطة النهاية التي يصنعها الكاتب، إذ يبدأ عندها طور جديد هو دور التلقي، فالقارئ بما يحمله من خبرات وذاكرة وتوقعات قد يكتشف في القصة معاني قد تتفق مع قصد المؤلف أو تتجاوزه الأمر الذي يجعل القصة تنتقل من خيال الكتابة إلى خيال التلقي وغدو القارئ شريكا في صنعها؛ لأن الخيال جوهر العملية الإبداعية فكاتب القصة لا ينقل الواقع وإنما يُعيد تشكيله وترتيب علاقاته وفق رؤية فنية خاصة.
فالواقع يقدم المادة الأولية من أشخاص وأحداث وأمكنة وصراعات، والخيال يُحوّل هذه المادة لعالم قصصي يمتلك منطقه ودلالته وأثره الجمالي.
وتزداد أهمية الخيال في القصة القصيرة بسبب طبيعتها المكثفة، لأن الكاتب لا يمتلك المساحة الواسعة التي تمنحها الرواية لبناء الشخصيات والأحداث والعوالم ولهذا يحتاج إلى خيال انتقائي قادر على اختزال حياة كاملة في لحظة، ولا تكون قيمة الخيال القصصي في كثرة ما يخترعه وإنما في دقة ما يختاره، وفي قدرته على جعل العابر كاشفا عن العميق.
فالخيال القصصي لا ينسخ الحياة وإنما يُعيد اكتشافها، فالشخصية المتخيلة أكثر قدرة على التعبير عن حقيقة اجتماعية أو نفسية من شخصية منقولة حرفيا من الواقع، فالكاتب قادر على وضعها في موقف يكشف تناقضاتها، ويمنح تجربتها بعدا يتجاوز حالتها الفردية.
وبهذا فإن الوظيفة الاكتشافية للخيال، فالكاتب لا يكون عالما بجميع تفاصيل قصته منذ البداية وقد يكتشفها أثناء الكتابة في مبدأ مهم هو الاقتصاد، فكثرة التفاصيل علامة على ضعف السيطرة الفنية لا على غنى الخيال لأن الخيال الناضج لا يظهر في التراكم وإنما في حسن الانتقاء.
ويعود الأمر في تنظير القصة القصيرة لمفهوم وحدة الأثر عند "إدغار آلان بو" الذي يقوم على ضرورة إسهام مكونات العمل في إنتاج تأثير متماسك وتؤكد الدراسات أن القصر في هذا الفن لا يتعلق بعدد الكلمات وحده وإنما بالتفاعل بين الموضوع والبناء والزمن القرائي وبقدرة النص على تحقيق التكثيف.
وفيما يتعلق بعلاقة الخيال وبناء الشخصية في القصة القصيرة فيمنح الخيال الكاتب القدرة على تجاوز الحدود الذاتية والدخول في وعي شخصيات تختلف عنه في العمر والجنس والثقافة والمكانة الاجتماعية والرؤية إلى العالم؛ لأن القاص يحاول تصور ما تراه وما تخشاه وما تريده وما تعجز عن قوله يقول الإيراني:
"عرفت في فترات متباعدة من الزمن أشباها لشخوص هذه القصص في حياتنا والحياة هي مصدر إلهامنا فإذا لم نسو شخوص قصصنا على مثال أحيائها فلست أدري ماذا عسانا نفعل ومن أين نلتقط مادة إبداع أولئك الشخوص وبث الحياة فيهم وإدارة الحوادث بينهما وتصوير الجو الذي يعيشون فيه"
(محمود سيف الدين الإيراني، الأعمال الأدبية الكاملة، ج 1، ص 125)
وتكمن براعة الخيال في إظهار الشخصية من خلال العلامات الصغيرة فالقصة لا تحتمل عادة تقديم سيرة مفصلة، فقد يكشف الكاتب الشخصية من ترددها أو علاقتها بصورة قديمة أو إصرارها على ترتيب ما لا يحتاج إلى ترتيب، فالحركة الصغيرة تصبح بديلا عن الشرح النفسي الطويل، وتنجح الشخصية حين تبدو أكبر من عدد الكلمات التي وصفتها ويتحقق هذا عندما يمنحها الكاتب حياة تخييلية تتجاوز ظهورها النصي.
وتكمن وظيفة الخيال عند تكوين الحدث والحبكة في قدرة هذا الخيال على إيجاد العلاقة بين الحدث ودلالته، لأن الخيال لا يخترع الأشياء فقط، وإنما يخترع العلاقات بينها، وهو الذي يتيح للقاص ترتيب الأحداث بطريقة مختلفة عن الواقع.
فالبناء السردي بحد ذاته في بعض الأحيان شكلا من أشكال الخيال؛ لأن القاص قد يبدأ من النهاية ثم يعود للماضي أو يحذف مرحلة زمنية كاملة أو يعرض الحدث من وجهة نظر شخصية، والحبكة الناجحة تعمل مع الخيال في خلق حدث يبدو ممكنا داخل عالم القصة حتى لو لم يكن مألوفا في الواقع.
ومن علاقات الخيال في بناء الزمان والمكان، فإن الخيال يتيح للكاتب تمثيل الزمن النفسي فالخوف يجعل اللحظة بطيئة وبينما تستطيع الصدمة قطعها والحنين يجعل الماضي حاضرا والقلق يجعل المستقبل يتدخل في الحاضر ويصبح الزمن تعبيرا عن وعي الشخصية لا مجرد إطار خارجي للأحداث.
وكذلك المكان الذي يحوله الخيال الناجح إلى عنصر دلالي، فالغرفة الضيقة تجسد الاختناق والطريق الخالي يعبر عن العزلة والبيت القديم صورة للذاكرة، والكاتب الناجح يصف المكان كما تعيشه الشخصية لا كما تراه العين المجردة.
وعلاقة الخيال واللغة والصورة الفنية في أن الخيال يحتاج إلى لغة لينتقل من ذهن الكاتب ويصل للمتلقي، ويتشكل هذا الخيال من خلال الكلمات والإيقاع والتركيب، وقد يتخيل الكاتب مشهدا لكن نجاحه يتوقف على قدرته على إيجاد اللغة التي تمنحه حضوره الفني، وهذا الخيال اللغوي يؤدي إلى تحرير الأشياء من دلالاتها المعتادة، والرمز الناجح ليس شفرة ثابتة تعكس معنى محدد فقد تشي بالمعنى من خلال علاقته داخل النص فالبحر قد يعكس الحرية والخطر أحيانا الأمر الذي يجعل الخيال يعطي الصورة الفنية أثرها.
ويظهر الخيال كذلك في اختيار صوت السارد، فالقصة التي يرويها طفل تختلف إذا رواها شخص بالغ أو راو عليم، فتغيير زاوية الرؤية يعيد تشكيل الحدث، لأن كل راو يرى بعض الأشياء ويغفل أشياء وبهذا فإن المنظور السردي أحد أهم تجليات الخيال البنائي في القصة القصيرة.
ويساعد الخيال الكاتب على إقامة مسافة بين ما يبدو في البداية وما ينكشف في النهاية ومن هذه المسافة تنشأ المفارقة، ولا تكون المفاجأة القصصية الناجحة نتيجة إخفاء للمعلومات وإنما نتيجة توزيع ذكي لها. فالخيال يبني احتمالا ظاهرا لكنه يزرع داخله علامات تسمح بإعادة القراءة، والنهاية المفترحة اعتمد على الخيال؛ لأنها لا تقدم مصيرا نهائيا وإنما تترك الشخصية عند لحظة حاسمة ليبدأ تأمل القارئ.
وفي علاقة الخيال بالصدق الفني فقد تكون القصة خيالية بالكامل وتبدو صادقة وقد تنقل قصة حادثة لكنها تبدو مصنعة ويرجع ذلك إلى الفرق بين الصدق الواقعي والصدق الفني.
لأن الصدق الفني يعني اتساق العالم القصصي من منطقته الداخلي، والخيال لا يعفي الكاتب من المنطق وإنما يفرض منطقا جديدا.
والخيال ليس عنصرا ثانويا يُضاف إلى القصة القصيرة بعد اكتمال عناصرها، إنما هو القوة التي تُنشئ تلك العناصر وتربط بينها وبسبب هذا الخيال تتحول الواقعة إلى حدث فني وتتحول اللحظة المحدودة إلى تجربة إنسانية واسعة.
وتفرض خصوصية القصة القصيرة على الخيال أن يكون مكثفا ومنضبطا لأن مهمته أن ينتقي اللحظة الأشد كشفا والصورة الأكثر دلالة والحركة القادرة على اختزال تاريخ كامل وقوة هذا الخيال تكمن في قدرته على العودة للواقع برؤية أعمق، فالقاص المبدع لا يخلق عالما بديلا ليهرب من الحياة وإنما يعيد بناء الحياة حتى يجعل ما كان خفيا فيها قابلا للرؤية، وتبلغ قيمة القصة فنيا حين يستطيع القاص تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مرآة تكشف الإنسان والعالم.
ولا تقوم العلاقة بين القصة القصيرة والخيال على أن القصة تقدم أحداثا غير حقيقية وإنما على أن الخيال هو الوسيط الذي يُحول الحياة إلى شكل قابل للفهم والتأمل، فهو ينتقي من الواقع ويعيد ترتيب عناصره ويكشف احتمالاته ويمنح الصوت ويجعل التفاصيل المحدودة قادرة على تمثيل تجربة إنسانية واسعة، فالقصة القصيرة الناجحة هي التي تجعل المتلقي بعد قراءتها يعود إلى الواقع بقدرة أكبر على رؤيته؛ لأن المسافة بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث تشكل جوهر الخيال القصصي وتكتمل القيمة الفنية للقصة القصيرة.
ونظرا لأهمية دعم الورقة النظرية بأمثلة تطبيقية فإني ارتأيت تطبيق الدراسة على القصص القصيرة عند القاص الأردني محمد الصمادي.
"إخفاق واحد يكفي"
كان يعتقد أن العلاقات الطويلة تشبه البيوت القديمة قد تتشقق جدرانها، وتتساقط بعض طلاء نوافذها، وقد يعلو العشب على عتباتها، لكنها تظل قادرة على حماية من يسكنها من برد العالم. لذلك لم يكن يخاف من الخلاف. كان يخاف من شيء آخر لا اسم له.
شيء يشبه أن تفتح بابا تعرفه منذ سنوات، فتجد خلفه غرفة لم تدخلها من قبل.
كان اسمه حمدان، وكان يحتفظ في درج مكتبه بدفتر أسود لا يكتب فيه إلا الأشياء التي يخشى أن ينساها.
لم يكن يسجل التواريخ، ولا أسماء الأشخاص، ولا تفاصيل الحوادث؛ كان يكتب فقط الجمل التي تغيرت بسببها نظرته إلى الحياة.
في الصفحة الأولى كتب:
"بعض الناس لا يغادروننا، بل يغادرون الصورة التي صنعناها لهم"
وفي الصفحة الثانية:
"الصداقة ليست عدد السنوات التي قضيناها معا، بل عدد المرات التي بقي فيها أحدنا إلى جوار الآخر عندما لم يكن في بقائه مصلحة."
أما الصفحة الثالثة فتركها بيضاء.
لم يعرف لماذا.
ربما كان ينتظر حادثة تستحق البياض.
كان لحمدان صديق قديم اسمه سليم.
مشيا معا في طرق كثيرة، تقاسما القهوة والكتب والضحكات، واختلفا في السياسة والشعر والنساء ومعنى الوطن، ثم عادا في المساء إلى الطاولة نفسها كأن الاختلاف لم يكن إلا طريقة أخرى للتعارف.
كان حمدان يعتقد أن الصديق الحقيقي ليس من يشبهك، بل من يستطيع أن يختلف معك دون أن يحاول تحطيم صورتك في عينيك.
مرت السنوات.
كبرت الأشياء الصغيرة.
صارت القهوة باردة قبل أن ينتهيا منها، والضحكات أقل، والرسائل أكثر اختصارًا، واللقاءات تحتاج إلى مواعيد، والمواعيد تحتاج إلى أعذار.
لكن حمدان لم ينتبه.
كان الإنسان، في رأيه، كائنا بارعا في اختراع الأعذار لمن يحب.
وحين يحب أكثر، يصبح أكثر قدرة على عدم رؤية الحقيقة.
كان يبرر غياب سليم بالتعب.
ويبرر صمته بانشغاله.
ويبرر تغيره بظروف الحياة.
حتى إنه اخترع أعذارا لم يطلبها سليم أصلا.
كان يفعل ذلك لأن الاعتراف بالحقيقة كان أكثر إيلاما من احتمال أن تكون الحقيقة خاطئة.
وفي مساء شتائي، احتاج حمدان إلى صديقه.
لم يكن يريد مالا، ولا نصيحة، ولا إنقاذا.
كان يحتاج فقط إلى شخص يجلس بجانبه.
اتصل بسليم.
لم يجب ..
اتصل مرة ثانية.
لا شيء.
القصة القصيرة من خيال الكتابة إلى التلقي "القراءة"
سبتمبر 17, 2026
